أطفال اليمن يعيشون في ظلام كوارث الحرب ويبحثون عن الأمان النفسي

عدد القراءات 161

الحروب لا تدمر البلدان والمدن فحسب، لكنها تدمر النفوس أيضاً، حقيقة مؤلمة تلخص الواقع المرير الذي يعيشه أطفال اليمن، وما خلّفته سنوات الحرب من آثار كارثية على حياتهم ونفسياتهم، يصنف علماء النفس الصدمة النفسية التي تتركها الحروب لدى الأطفال في باب الآثار المدمرة.

وهذا الآثار جعلت الخبراء والمختصين يقومون بالدراسات المستفيضة وتحليلها للوصول إلى نتائج تساعد على بذل كل الجهود من أجل الحد من تبعاتها الكارثية، والعمل على مراعاة الأطفال في زمن الحروب، وإيوائهم وتأهيلهم، وإبعادهم قدر الإمكان عن الآثار النفسية والمعنوية التي يمكن أن تلحق بهم.

دمار نفسي:

يعاني الطفل هشام 10 سنوات وهو نازح من حجه، من اضطرابات نفسية منذ أن أصيب تحت القصف قبل أكثر من عام ونصف، إذ نجا بأعجوبة من الموت، لكن لحظة موت أخيه الأكبر أمام عينه تكاد لا تفارق مخيلته، وعلى نهاية عام 2019، سقطت قذيفة من مليشيات الحوثي على منزلهم تسببت بإصابة الطفل ومقتل أخيه الأكبر منه ودمار منزل العائلة.

معظم أحلام الطفل تحولت إلى كوابيس، بات يستيقظ من النوم مرات عديدة في اليوم وهو في حالة رعب شديد، يصرخ منادياً أخاه الذي مات أمام عينيه، بحسب ما ترويه أمه، وتتصف حاله باكيه" لفتره ظل يتبول أيضا فوق نفسه , واصبح منطوي ولايحب اللعب او الاختلاط بأحد ظل لفتره طويله , وللأن لازالت الكوابيس تلاحقه.

كثرة الاضطرابات النفسية:

ازدادت الاضطرابات النفسية بين أطفال اليمن خلال سنوات الحرب، نتيجة معايشتهم لعمليات القتل والاعتقالات والتجنيد القسري والقصف والنزوح، وأخرى بسبب حالات العنف الأسري وعمالة الأطفال، وتضاعف عدد الأطفال الذين ظهرت عليهم أعراض الضيق النفسي والاجتماعي من تمانيه اعوام من الحرب.

وتصف والدة هشام حالة ولدها بأنه “حزين دائماً، ويعيش في عزلة تامة, وتشير المرأة إلى أنها عرضت ولدها على مركز للرعاية الصحية الأولية الموجود في صنعاء، وأعطوه بعض الأدوية العصبية دون أن تلاحظ أي تحسن في حالته.

ضحية الضغوطات:

اختزنت ذاكرة الطفلة لينا الجوفي 8 أعو ام وهي طفلة نازحه من تعز المدينة منذ 2014، صور الحرب، “فهي تبدأ بالبكاء والصراخ لحظة سماعها أي صوت مرتفع”، بحسب والدتها.

تقول الأم لموقع الوعل اليمني: " إن طفلتها تصاب بحالة ذعر شديد كلما سمعت هدير طائرة تحلق في أجواء المنطقة وخاصه خلال عام 2017و2018.

وتوكد لموقع الوعل: على أن ابنتها تتحول فجأة إلى “فتاة عصبيه حزينة ترتجف خوفا كلما سمعت صوت مثل الرصاص او الانفجار “ولم تقتصر آثار الحرب على الاضطرابات النفسية على الأطفال بل أثرت في سلوكهم حيث يميل بعضهم للعدائية والتي تظهر من تصرفاتهم وألعابهم التي تكون في معظمها أسلحة حربية.

تضيف أم أخري لموقع الوعل اليمني: أن ولدها الأكبر البالغ من العمر (12 عاماً)، أيضاً، “تأثر بالحرب من خلال ميله الواضح للعنف والعنف الملاحظ في لعبه مع أقرانه "وتعتقد أن الحرب وتمثيل مشاهدها غدت من ركائز اللعب لدى الطفل، إضافة لرغبته باقتناء مسدس أو أي سلاح آخر، حيث يقوم في معظم الأحيان بالاعتداء وضرب أقرانه وإخوته الأصغر سناً منه”.

وما يزيد من الاضطرابات النفسية، وجود هؤلاء الأشخاص في بيئة ينتشر فيها الفقر وتنعدم فرص العمل ومصادر الدخل وينقطع الأطفال عن الدراسة ويتفشى العنف الأسري وتكثر حالات الطلاق وزواج القاصرات، كل ذلك يتسبب بحالات اكتئاب وأمراض نفسية لدى الأطفال، وفقاً لمنظمة أنقذوا الطفل البريطانية.

يقول محمد طبيب نفسي لموقع الوعل اليمني: " إن معظم الأطفال الذين عانوا من فقدان قريب أو تعرضت منازلهم للقصف أو أصيبوا، يصبحون ضحية للضغوطات النفسية، “وتظهر عليهم سلسلة من الأعراض النفسية المرتبطة بالخوف من القصف، كالاكتئاب والقلق والاضطرابات السلوكية والتبول اللاإرادي وعصبية المزاج والانعزال عن الآخرين وغيرها”.

ويحذر الطبيب من أن بعض السكان يقسون على أطفالهم، بسبب قلة الوعي، أو يقومون بعرض من يعانون من أمراض نفسية كالقلق والاكتئاب وفصام الشخصية على المشعوذين، وهو ما يفاقم المشكلة ,ويضيف أن علاج هذه الأمراض يكمن في توعية بيئة الطفل بالصدمات النفسية وكيفية التعامل معها، ومراجعة الأطباء الاختصاصيين لإعادة التأهيل النفسي لهم، مع ضرورة توفير بيئة طبيعية للأطفال، والتركيز على التعلم وممارسة الأنشطة، ليندمجوا في المجتمع من جديد.

أنقذوا الأطفال:

ناقشت الدراسة التي نشرها مركز “العربية السعيدة للدراسات” اليوم تحت عنوان “اضطرابات كرب ما بعد الحرب لدى الأطفال اليافعين في اليمن. المخاطر وفرص التعافي”، العوامل التي تؤدي إلى تطوير الأطفال المراهقين”10_19 عاما”.

لاضطرابات ما بعد الصدمة إلى مستويات حرجة يصعب عندها التعافي واستعادة التوازن النفسي والتكيف مع المحيط الاجتماعي، من خلال الدراسة المعمقة لنماذج من الأطفال اليافعين, وبحسب الدراسة، رافقت الحرب في اليمن تجارب مؤلمة وصدمات نفسية حادة، جعلت هذا البلد الأعلى في معدل مشاكل الصحة النفسية على مستوى بلدان الشرق الأوسط الأخرى، التي تشهد نزاعات وحروب.

وأضافت “ورغم معاناة اليمنيين بمختلف فئاتهم من هذه الحرب وتداعياتها الإنسانية، إلا إن التداعيات النفسية لهذه الكارثة كانت، في معظمها، من نصيب الأطفال، فمعظمهم يعانون من اضطراب كرب ما بعد صدمة الحرب”.

وأكدت الدراسة" إلى ان اليمن تصدرت بلدان المنطقة التي تشهد نزاعات وحروب في معدل مشكلات الصحة النفسية، وأن الحرب وما نتج عنها من تداعيات وأزمة إنسانية بالإضافة إلى التجارب المؤلمة والصدمات النفسية الحادة، أثرت بشكل أكبر على الأطفال اليافعين والمراهقين وأصابت معظمهم بـ” اضطراب كرب ما بعد صدمة الحرب”. 

ولفتت إلى الأطفال المصابين بتلك الاضطرابات، وخصوصاً الذين يعيشون في بيئات اجتماعية هشة، مرشحون إلى مزيد من الاضطرابات النفسية الدائمة، ويمكن أن تتطور إلى اختلالات نفسية وعقلية تلازمهم مدى الحياة في حال عدم التدخل العاجل لاستعادة توازنهم.